القاضي عبد الجبار الهمذاني

40

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الحال في الكذب ، لأنه إذا كان كاذبا فيما أخبر عنه لم يجب أن يكون صادقا في أنه علمه أو شاهده ، فلذلك وجب القضاء بكون خبره كذبا ، على كل وجه ، فلو علمنا أن النصارى قاصدة إلى أن تخبر عن أن الواحد ثلاثة لعلمنا كذبها باضطرار ، فإذا علمنا في ( الكلابية ) أنها مخبرة عن إثبات اللّه تعالى عالما بعلم ، علم كذبها باستدلال ، فإذا خبرت بأنه ليس بموجود ولا معدوم على الحقيقة ، علمنا كذبها من جهة الاضطرار ؛ فكذلك القول في الحدوث والعدم إلا أن يكون مخبره عن ذلك على طريقة الجهل بالأسماء ، فأما ما يخبر به المجتهدون فلا يجب كونه كذبا ، إذا أخبروا على صحة ، لأن كل واحد منهم مخبر عن ظنه ، أو عن وجوب الشيء عليه وعلى من قلده وقبل قوله ، وذلك يوجب أن خبرهم عن المذاهب لا يتناقض ، ولا يختلف ؛ ولهذه الجملة قلنا إن أحدهم إذا أخبر بخلاف ذلك لكاد يخرج عن أن يكون من أهل الاجتهاد ، لأنه ممن يدل من نفسه على أنه غير عالم بطريقة الاجتهاد . ولهذه الجملة حرمنا على المفتى أن يقول إن الشيء حرام أو حلال مطلق ، وقلنا : إنه لا بدّ من أن يقول : إنه حرام عليك إن كان اجتهادك كاجتهادى ، وقبلت قولي ؛ ومتى كان الإطلاق على هذا لم يكن كذبا على وجه من الوجوه . وقد بينا في أصول الفقه : أن الخبر عما طريقه العلم يخالف هذا الباب ، لأنه يتناول مخبرا مخصوصا ، فلا يجوز أن يكون كل واحد ، من ذينك الخبرين صدقا « 1 » غير أو نقيضه صدقا ، بل لا بدّ من كون أحدهما كذبا ؛ وكذلك الأمر إذا تناول الأمور الكثيرة على هذه الطريقة ؛ وهذا بين ؛ وقد شرح ذلك بأبلغ من هذا « 2 » في هذا الموضع .

--> ( 1 ) رسم الكلمة في « ص » و « ط » معا ، يرجح قراءتها « غير » ولا يظهر معناه ؛ وهي في « ط » ملحقة تصحيحا في الهامش ، ووضع علامة المخرج يشير إلى أن الكلمة بين الهمزة والواو ! ( 2 ) لا يستقيم المعنى إلا بتقدير ساقط .